تقول أجسامنا عنا أكثر مما نعرف. فهي تتحدث عن ماضينا، حاضرنا ومستقبلنا بلغة بالكاد نستطيع فهمها، حيث تشترك كل واحدة من الـ 37.2 مليار خلية في أجسامنا في هذا الحديث.

توجد هوية كل جسم داخل نواة خلاياه، في الحمض النووي الذي هو DNA. سنشرح لك ما نعنيه عندما نقول بأن الشباب يوجد في الـ DNA.

لأشرطة الحمض النووي DNA قطع حماية في نهاياتها تشبه تلك القطع البلاستيكية الموجودة في نهايات شريط الحذاء لتحميه من التلف. تسمى قطع الحماية هذه “التيلوميرات”.

تحمي التيلوميرات المعلومات الجينية الحيوية في الجينات من خلال منع ارتباط الكرموزومات وتخريبها. من دون التيلوميرات تشيخ الخلايا بشكل أسرع وتموت مبكراً.

يقصُر طول التيلوميرات كلما طالت حياتك

من أحد الخواص المهمة لخلايا الجسم هي تجديدها لنفسها بشكل متواصل عبر تكاثرها.

في كل مرة تنسخ الخلية فيها نفسها، يتناقص طول التيلوميرات، وفي النهاية تصبح التيلوميرات قصيرة إلى حد يمنعها من العمل بشكل جيد مما يسبب تقدم خلايانا في السن وخسارتها لقدرتها على أداء وظائفها كما ينبغي.

لذا، فإن التيلوميرات تعمل كموقت زمني لتقدم السن في كل خلية.

وإذا غصنا قليلاً بعد في علم التيلوميرات نجد أن التيلوميراز هو أنزيم يحافظ على التيلوميرات من التلف الناتج عن الانقسام والتكاثر. لكن نتيجة للإنقسامات المتكررة لا تستطيع التيلوميرات التماشي مع سرعة انقسامات الخلية. والنتيجة هي أنه في كل مرة تنقسم الخلية تصبح التيلوميرات أقصر ويُفقد جزء من الحمض النووي التيلوميري مما يسبب شيخوخة الخلية، وفي النهاية تصبح التيلوميرات قصيرة إلى الحد الذي لا يسمح لها بالتوالد والتجدد.

تكشف التيلوميرات عن عمرك البيولوجي

عندما يقل طول التيلوميرات عن الحد الحرج تتوقف الخلايا عن الانقسام وتموت، وهذا ما يسمى بتقدم سن الخلايا أو شيخوخة الخلايا.

تعتبر الخلايا التي تتولد بشكل متواصل مثل خلايا البشرة، والشعر والجهاز المناعي هي الأكثر عرضة لنقص طول التيلوميرات. كلما كانت التيلوميرات أقصر، كلما إزدادت فرص المرض وبالتالي إرتفع معدل الوفيات.

وبتناقص طول التيلوميرات تتباطئ عملية إستبدال الخلايا وتموت الخلية نتيجة إحدى هاتين العمليتين او كلتاهما واللتان تعرفان بالشيخوخة و موت الخلايا المبرمج.

الستاثمين والـ EF-1a هما علامتان حيويتان للخلل التيلوميري وأضرار الحمض النووي. ظهور هذه العلامات الحيوية مرتبط بتقدم السن والأمراض المتعلقة به.

تناقص طول التيلوميرات مع تقدم السن هي عملية طبيعية للخلايا، لكن عندما يتناقص طولها بشكل زائد عن المعدل الطبيعي للسن فهذا يشير إلى أن الجسم يتجه نحو تناقص في معدّل الحياة.

هل تعلمون أن أسلوب الحياة يؤثر في الجمض النووي؟

يعرف عن الـ DNA بأنه يحمل معلومات مسبقة عن الطريقة التي نتقدم فيها في السن وبالتالي المدة التي قد نعيشها. لكن مؤخراً بدأت نتائج الدراسات تثبت الدور المهم الذي يلعبه أسلوب الحياة في التأثير على التيلوميرات وبالتالي بطول أمدها.فقد لوحظ الدور الذي تلعبه البدانة، قلّة الرياضة، الحميات الغذائية غير الصحية والتدخين في تسريع تناقص طول التيلوميرات. كما أن للتوتر والاكتئاب دورهما أيضاً.

يرتبط تسارع قصر التيلوميرات بالظهور المبكر للأمراض المرتبطة بتقدم السن، مع تزايد خطر حدوث الامراض القلبية الشريانية، السكتات القلبية، هشاشة العظام والسرطانات. كما أن معدل الوفيات يرتفع أيضاً.

خداع التيلوميرات لتبطئ عملية تقدم السن

إذا كان أسلوب الحياة الخاطئ يسرع عملية تقدم السن، أفلا نستطيع إذاً إبطاءه من خلال تعديل روتين حياتنا؟ الخبر الجيد هو أننا نستطيع. ولأن الحفاظ على التيلوميرات يحمل تأثيراً مباشراً على الصحة، خطر الإصابة بالسرطان وسرعة التقدم في السن، فإليكم بعض طرق التخفيف من التناقص المبكر في طول التيلوميرات هي:

  • الرياضة المنتظمة، للحفاظ على الليونة والنشاط.
  • ممارسة التأمل واليوغا للتخفيف من التوتر.
  • تناول الدهون الصحية مثل تلك الموجودة في المكسرات، الأسماك، والأفوكادو.
  • تناول الأطعمة الغنية بالأوميغا 3 مثل الأسماك : التونا، السلمون، الرنجة، الأسقمري، الهلبوت، الأنشوفة، سمك القط، الهامور، الفلاوندر. أو البذور : مثل بذور الكتان، بذور الشيا وبذور السمسم.
  • الحصول على كمية كافية من الفيتامين C و الفيتامين E، التوت الأسود، التوت الأحمر، الشاي الأخضر، البروكولي، البراعم، العنب الأحمر، الطماطم، والزيتون.
  • ‘تباع نظام غدائى شرق أوسطي غني بالفاكهة و الخضروات و الحبوب

هل يمكن تطويل التيلوميرات؟

الجواب هو نعم. يساعد العلم على إطالة التيلوميرات. يمكن للأنزيم المسمى تيلوميراز أن يبطئ، أو يوقف أو حتى ان يعكس عملية تقصير التيلوميرات. يشرح البحث الحائز على جائزة نوبل ،والذي يتناول تأثير التيلوميراز على طول التيلوميرات، يشرح كيف يؤثر تعريض الخلايا البشرية للتيلوميراز على إبطاء عملية تقدم سن الخلايا من خلال تحفيز الخلايا على التولد من جديد. يساهم تنشيط إنتاج أنزيم التيلوميراز- والذي يحمي نهايات أشرطة الحمض النووي- في عكس تناقص طول التيلوميرات.

والأفضل في كل هذا هو أن ازدياد طول التيلوميرات يمنح الجينات نمطاً ظاهرياً فتيّاً أكثر، مما يجعل الخلايا تعمل كما لو كانت أصغر فعلاً.

يمكن للعلاجات المبنية على هذه الدراسة أن تعمل بشكل فعال على إصلاح، استعادة، وتجديد توالد الخلايا، مما يعيد عقارب ساعتك البيولوجية إلى الخلف.

لذا رغم أن نبع الشباب لم يتمّ اكتشافه بعد ، إلا أننا نقف اليوم على أبواب إكتشاف علمي مذهل يعدنا بالشباب الدائم.

بقلم: د. أماني

Share

سجلوا هنا للتمتع بإستشارة مجانية